يرى الصحفي والباحث عماد عنان أن تصاعد التوتر في اليمن والبحر الأحمر أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن طبيعة الدور المصري المحتمل في مواجهة جماعة الحوثيين، في ظل التحركات المتزامنة للسعودية والولايات المتحدة تجاه القاهرة.
ويأتي ذلك مع تصاعد المخاطر التي تهدد الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس والمصالح الاقتصادية المرتبطة بهما، بالتزامن مع زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى القاهرة ولقائه رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي بحضور رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، لبحث عدد من الملفات الإقليمية وفي مقدمتها اليمن وأمن الملاحة البحرية.
ويستند تحليل عنان الذي نره موقع نون بوست، يناقش حسابات مصر تجاه الأزمة اليمنية واحتمالات انخراطها في مواجهة الحوثيين، مستعرضًا التجربة العسكرية المصرية في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي وتأثيرها المستمر في العقيدة العسكرية وصنع القرار المصري.
تكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل تعقّد المشهد الإقليمي، إذ تواجه السعودية تهديدات متزايدة من هجمات الحوثيين، بينما تسعى واشنطن إلى حماية حرية الملاحة وتدفقات الطاقة من دون الانجرار إلى تدخل عسكري مباشر في اليمن. وفي هذا السياق، تبرز القاهرة باعتبارها حليفًا استراتيجيًا لواشنطن وشريكًا وثيقًا للرياض، فضلًا عن موقعها الجغرافي ودورها المباشر في أمن البحر الأحمر وقناة السويس.
حسابات السعودية وواشنطن ودور القاهرة في البحر الأحمر
تواجه السعودية منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في فبراير الماضي معادلة أمنية واقتصادية شديدة التعقيد، بعدما تداخلت تهديدات الحوثيين لأمنها الوطني مع المخاطر التي تطال مصالحها النفطية والبنية التحتية المرتبطة بشركة أرامكو. وتزداد الضغوط مع تهديد الممرات البحرية الرئيسية التي ترتبط بصادرات الطاقة، إذ يشكل مضيق هرمز نقطة ضغط أساسية في النفوذ الإيراني، بينما يؤثر باب المندب، الواقع تحت تأثير الحوثيين، مباشرة في حركة الملاحة بالبحر الأحمر.
وتسعى الولايات المتحدة في المقابل إلى حماية حرية الملاحة الدولية وتأمين تدفقات الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد في الشرق الأوسط، لكنها تبدو حريصة على تجنب الانخراط المباشر في حرب جديدة داخل اليمن. وأشارت تقارير أمريكية إلى رفض الرئيس دونالد ترامب طلبًا سعوديًا للمشاركة العسكرية في اليمن، بالتزامن مع فتح قنوات دبلوماسية بين واشنطن والرياض عبر مسقط.
وتحتاج الرياض في ظل هذه المعادلة إلى شبكة دعم إقليمية ودولية تحول دون تحوّل المواجهة مع الحوثيين إلى عبء تتحمله وحدها، بينما تبحث واشنطن عن صيغة تحقق أهدافها الأمنية بأقل تكلفة ممكنة عبر الضغوط السياسية والدعم الاستخباراتي والترتيبات الأمنية، من دون الدخول في حرب مفتوحة.
وهنا تبرز القاهرة باعتبارها ساحة رئيسية للتشاور السياسي والأمني. فمن ناحية، ترتبط مصر بعلاقة استراتيجية طويلة مع الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى تجمعها شراكة وثيقة مع السعودية، فيما يمنحها إشرافها على قناة السويس وموقعها على البحر الأحمر وزنًا خاصًا في أي ترتيبات تتعلق بأمن الملاحة.
ولا يعني ذلك بالضرورة استعداد مصر للتدخل عسكريًا في اليمن، إذ يمكن أن ينحصر دورها في التنسيق الأمني والدعم الدبلوماسي وتبادل المعلومات وحماية الملاحة. لكن تصاعد هجمات الحوثيين يفرض سؤالًا أكثر حساسية حول حدود الدور المصري وما إذا كانت القاهرة قد تضطر إلى إعادة النظر في حساباتها إذا اتسعت دائرة التهديدات.
لماذا تتحفظ مصر على التدخل العسكري المباشر في اليمن؟
ركزت السياسة المصرية تجاه اليمن خلال السنوات الماضية على الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية وسيادتها ودعم مؤسساتها والحكومة المعترف بها دوليًا. وتنسجم هذه المقاربة مع رؤية القاهرة التي تعتبر المسار السياسي أكثر واقعية لإنهاء الأزمة، مع الفصل بين التسوية السياسية داخل اليمن وأمن البحر الأحمر.
وتنظر مصر إلى حرية الملاحة في البحر الأحمر باعتبارها مصلحة استراتيجية تتجاوز أطراف الصراع اليمني، ولذلك لا ترغب في تحويل أمن الممر البحري إلى ورقة تفاوض مرتبطة بموازين الحرب الداخلية. غير أن امتداد تداعيات الأزمة إلى باب المندب ومصالح مصر والسعودية يضع هذه السياسة أمام اختبار جديد.
ويعود جانب كبير من التحفظ المصري إلى التجربة التاريخية المريرة للتدخل العسكري في اليمن. فقد واجهت القوات المصرية خلال ستينيات القرن الماضي بيئة جغرافية وقبلية شديدة التعقيد، ولم يكن التفوق العسكري كافيًا لتحقيق نتائج سياسية مستقرة. وتحول التدخل الذي بدأ بعد ثورة اليمن عام 1962 إلى حرب استنزاف طويلة تكبدت خلالها مصر خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وأثرت تلك التجربة لاحقًا في التفكير العسكري المصري، ورسخت توجهًا أكثر حذرًا تجاه الحروب الممتدة خارج الحدود، خصوصًا عندما تكون أهدافها السياسية غير واضحة أو يصعب تحديد إطار زمني لإنهائها. وبدلًا من الانخراط في صراعات طويلة، ركزت العقيدة المصرية بدرجة أكبر على الردع وحماية الأمن القومي والتنسيق الأمني والعمليات المحدودة ذات الأهداف الواضحة.
ولا تقتصر جذور التجربة المصرية في اليمن على عهد الراحل جمال عبد الناصر، إذ يعود أحد أقدم التدخلات العسكرية الخارجية في المنطقة إلى العصر الروماني، عندما قاد إيليوس جالوس، حاكم مصر الروماني، حملة باتجاه جنوب شبه الجزيرة العربية في عهد الإمبراطور أوكتافيوس. وفشلت الحملة نتيجة صعوبة التضاريس والظروف العملياتية القاسية.
لكن تجربة الستينيات تظل الأكثر تأثيرًا في الحسابات المصرية الحديثة، إذ كشفت حدود القوة العسكرية أمام بيئة يمنية معقدة، وأسهمت في تكريس الحذر من الانجرار إلى حروب استنزاف مفتوحة.
هل تغير اليمن اليوم حسابات القاهرة؟
يختلف اليمن الحالي عن اليمن في ستينيات القرن الماضي من حيث طبيعة الصراع وأدوات الحرب والبيئة الإقليمية، لكن ذلك لا يعني أن التدخل العسكري أصبح أقل تعقيدًا. فما زالت الجغرافيا اليمنية، بما تتضمنه من مساحات واسعة وتضاريس جبلية وعرة ومراكز قوى محلية متعددة، تشكل تحديًا كبيرًا أمام أي قوة خارجية تسعى إلى فرض سيطرة عسكرية.
كما تختلف جماعة الحوثيين عن جيش نظامي يمكن حسم المواجهة معه عبر التفوق في السلاح والسيطرة على المواقع العسكرية. فقد طورت الجماعة خبرة واسعة في حرب العصابات، وتستفيد من طبيعة البيئة الجبلية، وتمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة تسمح لها بالضغط على خصومها خارج نطاق قوتها العسكرية التقليدية.
ويزيد البعد الإقليمي من تعقيد أي تدخل مصري محتمل، إذ لن تقتصر المواجهة على عملية عسكرية ضد الحوثيين، بل قد تتداخل مع شبكة أوسع من التوازنات المرتبطة بإيران وأمن البحر الأحمر وحماية الممرات البحرية الحيوية. وبالتالي، ستحتاج القاهرة إلى تقييم التداعيات الإقليمية والاستراتيجية لأي قرار بالتدخل، وليس فقط حسابات ساحة المعركة اليمنية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو التدخل العسكري المصري المباشر في اليمن خيارًا بالغ الصعوبة وفق الحسابات الراهنة، لكنه لا يمكن استبعاده بصورة قاطعة. فقد تدفع زيادة هجمات الحوثيين على السفن والمنشآت الحيوية، وما قد يترتب عليها من تهديدات للأمن المصري والإقليمي، القاهرة إلى إعادة تقييم مستوى انخراطها إذا تجاوزت المخاطر حدودها الحالية.
غير أن القرار المصري لا يرتبط بحجم الخطر وحده، بل يتصل أيضًا بتكلفة التدخل والنتائج المتوقعة منه. فالسؤال الأساسي لا يتمثل في قدرة مصر على إرسال قوات إلى اليمن، وإنما في قدرتها على تحقيق هدف سياسي وعسكري واضح من وراء ذلك، وفي إمكانية منع العملية من التحول إلى حرب طويلة تستنزف الموارد وتفرض تكلفة اقتصادية وسياسية وعسكرية مرتفعة.
ولهذا تبدو القاهرة، في ظل الضغوط الاقتصادية وحسابات الأمن القومي، أكثر ميلًا إلى استخدام أدوات بديلة تحقق أهدافها من دون الانخراط في مواجهة مباشرة. وتشمل هذه الأدوات تعزيز التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات مع الشركاء الإقليميين والدوليين، ودعم أمن البحر الأحمر، وتوظيف الأدوات الدبلوماسية والسياسية التي تتيحها علاقات مصر الواسعة مع الأطراف المختلفة.
وبناءً على ذلك، لا يتوافق خيار التدخل العسكري المباشر في اليمن بصورة كاملة مع الحسابات المصرية التقليدية والدروس المستخلصة من تجربة الستينيات، لكن استبعاده نهائيًا سيكون بدوره غير دقيق. فقد تعيد القاهرة النظر في موقفها إذا تغيرت المعادلة وأصبح ثمن عدم التدخل أعلى من تكلفة الانخراط.
وفي النهاية، لا يدور السؤال الرئيسي أمام صانع القرار المصري حول إمكانية إرسال قوات إلى اليمن فحسب، وإنما حول الهدف السياسي والعسكري المحدد لأي تدخل، والإطار الزمني لإنهائه، والضمانات التي تحول دون تحوله إلى حرب استنزاف طويلة تعيد إلى الأذهان التجربة المصرية الصعبة في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي.
https://www.noonpost.com/en/384577/

